الراغب الأصفهاني

268

الذريعة إلى مكارم الشريعة

النطق والصمت النطق أشرف ما خص به الإنسان فإنه صورته المعقولة التي بها باين سائر الحيوان ولهذا قال تعالى : خَلَقَ الْإِنْسانَ عَلَّمَهُ الْبَيانَ « 1 » ولم يقل وعلمه البيان إذ جعل قوله عَلَّمَهُ تفسيرا لقوله خَلَقَ الْإِنْسانَ تنبيها أن خلقه تعالى إياه هو تخصيصه بالبيان الذي لو توهم مرتفعا عنه لكانت الإنسانية مرتفعة ولذلك قيل ما الإنسان لولا اللسان إلا بهيمة مهملة أو صورة ممثلة ، وقيل المرء مخبوء تحت لسانه وقال الشاعر : لسان الفتى نصف ونصف فؤاده * فلم يبق إلا صورة اللحم والدم « 2 » أي إذا توهم ارتفاع « 3 » النطق الذي هو اللسان والقوة الناطقة التي هي بالفؤاد لم يبق إلا صورة اللحم والدم ، فإذا كان الإنسان هو الإنسان بذلك فلا شك أن من كان أكثر منه حظا كان أكثر منه إنسانية . والصمت من حيث ما هو صمت مذموم فذلك من صفة الجمادات فضلا عن الحيوانات وقد جعل اللّه تعالى بعض الحيوانات بلا صوت وجعل لبعضها صوتا بلا تركيب ، ومن مدح الصمت فاعتبارا بمن يسيء في الكلام فيقع منه جنايات عظيمة في أمور الدين والدنيا كما روي أن الإنسان إذا أصبح كفرت أعضاؤه لسانه فتقول اتق اللّه فينا فإنك إن استقمت استقمنا وإن اعوججت

--> ( 1 ) الرحمن / 4 . ( 2 ) هذا البيت نسبه الجاحظ في البيان والتبيين للأعور الشني ، وهو لزهير في معلقته وقبله : وكأين ترى من صامت لك معجب * زيادته أو نقصه في التكلم حسن الكرمي / قول على قول / 3 / 211 . ( 3 ) « ارتفاع » سقطت من ط وهي جزء متمم لفائدة المعنى .